صديق الحسيني القنوجي البخاري
82
أبجد العلوم
جملة ، وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها ، وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام . وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه ، فيقتدرون على شيء من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة لما أن أكثر محفوظهم عبارات العلوم النازلة عن البلاغة كما سيأتي في موضعه . وأما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها ، فكانوا لذلك أهل حظ وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصبا . ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي « 1 » في كتاب ( رحلته ) « 2 » إلى طريقة غريبة في وجه التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ ، وقدم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس قال : لأن الشعر ديوان العرب . ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة . ثم قال : « ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب اللّه في أول أمره يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمر غيره أهم عليه » . قال : « ثم ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه » . ونهى مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط . هذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر رحمه اللّه وهو لعمري مذهب حسن ، إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال ، ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن ، لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم ، فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة ، فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم
--> ( 1 ) هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه المعروف بابن العربي ويقال ابن المغربي المالكي المتوفى سنة 543 ه . انظر هدية العارفين ( 2 / 90 ) . ( 2 ) هو كتاب « ترتيب الرحلة » كما ذكره إسماعيل باشا البغدادي في إيضاح المكنون ( 1 / 279 ) .